الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

446

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

سلوك طريق العامة وليعمل ما في تلك الأصول في زمن الغيبة الكبرى فإن رسول الله صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام لم يضعوا من كان في أصلاب الرجال من شيعتهم كما تقدم في الروايات المتقدمة ففي مثل تلك الصورة يجوز التمسك بأن نفي ظهور الدليل على حكم مخالف للأصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع إلى أن قال ولا يجوز التمسك به في غير المسألة المفروضة إلا عند العامة القائلين بأنه صلى اللَّه عليه وآله أظهر عند أصحابه كل ما جاء به وتوفرت الدواعي على جهة واحدة ونشره وما خص أحدا بتعليم شيء لم يظهر عند غيره ولم يقع بعده صلى اللَّه عليه وآله فتنة اقتضى اختفاء ما جاء به انتهى وكلامه هذا صريح في التفصيل في إجراء الأصل بين عام البلوى وغيره وظاهره عدم الفرق في ذلك بين أصالة البراءة والإباحة وغيرهما فحكم بحجيته في الأول دون الأخير ولا يذهب عليك أن كلام المحقق هنا مفيد للإطباق على ما فهمه بل هو كالصريح في حجية أصالة البراءة مطلقا في نفي التكليف عنا بعد الفحص وحصر الأدلة بحسب الوسع والحاصل أن الفقيه بعد أن ضبط طرق الاستدلالات الشرعية وبين عدم دلالتها عليه بنى على مقتضى أصالة البراءة أن لا تكليف عليه سواء كان هناك تكليف واقعي أو لا وليس غرضه الحكم بانتفاء الحكم واقعا عند انتفاء الدليل عليه بحسب الواقع كيف ولا إشارة في كلامه إلى اعتبار عموم البلوى في المقام حتى يمكن حمل كلامه عليه بل في كلامه ما يدل على خلافه حيث قال لأنه لو لم يكن عليه ولأنه لزم التكليف بما لا يطاق فإن قضية ذلك ارتفاع التكليف مع عدم وصول المجتهد إليه بعد بذل وسعه فحمله العبارة المذكورة على خصوص عام البلوى مما لا وجه له أصلا وكيف كان كلماته المنقولة من أولها إلى آخرها مبنية على الغفلة عما هو فحوى الكلام في المسألة فتوهم أن القائل بحجية أصالة البراءة يجعلها دليلا على ثبوت الحكم في الواقع طريقا يتوصل إليه به إلى معرفة الحكم الثابت في نفس الأمر ومجوز الحكم ثبوته على الوجه المذكور فأنكر عليهم ذلك بين أصالة البراءة وما حكم به الشرع في الواقع فكيف يمكن بكشفه عنه ولما تخيل ظاهرا ووجوب بيان الأحكام على النبي والإمام عليه السلام وكان المحال فيما يعم به البلوى قاضية بوصول البيان إلينا لتوفر الدواعي عليه كان عدم وصول ذلك إلينا كاشفا عن عدم وجهه في الواقع الكاشف عن انتفاء الحكم كذلك فلذا اعترف بحجيته بالنسبة إليه دون غيره وقد عرفت مما أشرنا إليه أن الكلام في المقام في حجية أصالة البراءة إنما هو بالنسبة إلى الظاهر دون الواقع والمقصود منه معرفة منها التكليف بالنسبة إلينا من غير ملاحظة لانتفائه بحسب الواقع إذ لا فائدة يعتد بها في معرفة ذلك بعد معرفة التكليف كيف ومعظم أدلة الفقه ما يثبت ما كلفنا به في ظاهر الشريعة من دون إثبات الواقع لوضوح كون معظم الأدلة مما لا دلالة فيها على الواقع الواقعي أقصى ما في المقام أن يفيد بعضها ظنا به ومن البين أن الظن بنفسه لا يعقل أن يكون دليلا طريقا مثبتا للواقع حتى يصح الحكم بكونه الواقع فضلا عن كونه جائزا في الشريعة أو ممنوعا عنه غاية الأمر أنه مع قيام الدليل على حجيته في الظاهر يصح الحكم على صورة البت بثبوت ذلك الحكم وذلك إنما يترتب على قيام الدليل المذكور ولا اعتبار في ذلك الظن المفروض سواء به الحجية أو لا إذ من البين أن الظن ليس قابلا أن يجعل سبيلا إلى الواقع على سبيل البت وإنما يكون سبيلا إليه على سبيل الظن وهو مما لا يترتب عليه فائدة ولا منع في الشريعة أيضا من الحكم بكون المظنون ظنا غير معتبر وإن كان حاصلا من قياس أو استحسان وهو ظاهر فظهر بما قررنا أن المقصود في المقام هو بيان حجية في الظاهر وجواز الاعتماد عليه في ظاهر التكاليف وحينئذ فلا مدخل لإكمال الدين وثبوت الحكم مخزونا عند الأئمة عليهم السلام في كل واقعة في دفع الأصل المذكور ولا ارتباط بينهما نفيا ولا إثباتا بوجه من الوجوه كيف ويصح الحكم بانتفاء التكليف عنا مع العلم بحصوله واقعا على سبيل الإجمال كما إذا كلفنا بمجمل ولم يتمكن من بيانه في تمام الوقت ولم يمكنه تحصيله على سبيل الاحتياط فكيف مع عدم العلم به وعدم قيام دليل على ثبوته وبالجملة غاية ما يلزم مما ذكره على فرض تسليمه عدم إمكان تحصيل الحكم الواقعي من جهة الأصل المذكور وهو كما عرفت غير ما هم بصدده في المقام نعم لو تممنا الأصل المذكور بحيث يندرج فيه عدم الدليل الذي جعلوه دليلا آخر على عدم الحكم كما اخترناه كان إذن في بعض صورة دليلا على انتفاء الحكم في الواقع حسبما علمه المعترض المذكور واستحسنه على أن في دلالته على انتفاء الحكم في الواقع أيضا إشكال إذ قد يكون إخفاء الحكم منوطا بمصالح قضت به كما يستفاد من الأخبار ويشير إليه أيضا ما ورد في الأخبار من أن عليكم السؤال وليس علينا الجواب فغاية الأمر في هذه الصورة أيضا الحكم بانتفاء التكليف تحاكما في الصورة الأخرى وكيف كان فلا مانع من إبراز الحكم على صورة البت في الصورتين كما هو الشأن في سائر الأدلة التي يثبت التعبد في الشرع مع عدم كشفها عن الواقع على سبيل اليقين كيف وصريح كلامه تسليم جواز الحكم على سبيل البت في الصورة الأخيرة وقد علمت انتفاء دلالته على الواقع أيضا فإن كان كلامه المذكور مبنيا على دلالته على انتفاء الحكم في نفس الأمر فهو أفحش من الظاهر وإن كان ذلك عنده كاشفا عن رضاء الإمام عليه السلام بالترك فالمفروض في المقام بعد انسداد الطريق حسبما نستفرضه من الأدلة على الأصل المذكور وقد اعترف به في بعض صوره كما عرفت ومع الغض عن ذلك والقول بعدم الدليل في سائر الأدلة على جواز الحكم كذلك وعدم قيامه في المقام فقد عرفت أنه لا ثمرة يعتد بها في المناقشة المذكورة بعد الحكم في الاعتماد عليه في ارتفاع التكليف في الظاهر حتى يحتاج إلى إطالة الكلام والمبالغة في الرد على من اختاره في المقام كما لا يخفى ومن أعجب العجب ما وقع من صاحب الحدائق في المقام حيث إنه مع دعواه الاتفاق على الأصل المذكور في كتابيه المذكورين كما تقدم الإشارة إليه نص فيها أيضا عند ذكره مسألة الاحتياط على وجوب الاحتياط فيما إذا تردد المكلف في حكم إما لتعارض أدلة أو لتشابهها وعدم وضوح دلالتها أو لعدم الدليل بالكلية بناء على نفي البراءة الأصلية أو لحصول الشك في اندراج بعض الأفراد تحت بعض الكليات المعلومة الحكم أو نحو ذلك ثم ذكر أيضا في مسألة الاحتياط الواجب المتعلق بالفعل ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بأن تردد بين احتمالي الوجوب والاستحباب فالواجب هو الثواب المتوقف في الحكم والاحتياط بالإتيان بذلك الفعل ومن يعتمد على أصالة البراءة بجعلها هذا مرجحة للاستحباب فيه أولا ما عرفت من عدم الاعتماد على البراءة الأصلية